مصطفى صادق الرافعي
79
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
والضرر ، فإذا أطلقت يده في ذلك فكأنه جزء ناقص من نظام الكون ؛ أو جزء ينقصه شيء من هذا النظام ؛ بيد أن الآداب إذا أحكمت صلته بذلك العالم المادي على وجه بيّن حلاله وحرامه ، فلا ينحاز إلا في حدّ من الحدود المرسومة ، ولا يبغي شيئا لم تتعين تبعته ، ولا يستدخل في أمر إلا وهو في ربقة من نظامه الاجتماعي « 1 » فإنه يكون قد استكمل حينئذ ما كان ينقصه ، أو ما كان يجعله ناقصا إن خلا منه ، وما دامت الحياة مادة ، فللمادة حكمها في الحياة . وما تدبّر هذا القرآن أحد قط إلا وجده يطلق لكل إنسان - على القوة والضعف والعزّة والذلة - إرادة اجتماعية أساسها الفضيلة الأدبية : حتى لا تكون بطبيعتها إلا جزءا من الشريعة التي هي في الحقيقة إرادة المجموع ، ولقد كانت تلك الإرادة الاجتماعية هي الحلم السماويّ الذي أطبق عليه الموت أعين الفلاسفة وحكماء الأرض جميعا ، ولم يتحقق في غير ذلك الجيل الذي كان المثال الصحيح لآداب القرآن : إذ تمكنت منه الفضيلة الأدبية بمقدار ما يأتي لها أن تتمكن من نفس الإنسان ، وبلغت فيه ما يتفق لها أن تبلغ من الفطرة ؛ فكانت أعمالها مظاهر لتلك القوة التي سميناها « الإرادة الاجتماعية » ولو أن العلوم كلها والفلسفة وأهلها كانت لأولئك العرب مكان القرآن لما أغنت شيئا من غنائه ، ولا ردّت عليهم بعض مردّه ؛ فإن الفضيلة العقلية التي أساسها العلم ، لا تعطي غير الإرادة النظرية التي ربما اهتدى بها المرء وربما ظلّ بها على علم ، ولكن الفضيلة الأدبية تدفع إلى الإرادة العملية دفعا ؛ لأنّ هذه الإرادة هي مظهرها ولا سبيل لظهورها غير العمل ، ومتى صحت إرادة الفرد واستقام لها وجه في الاجتماع ، فقد صار بنفسه قطعة من عمل الأمة ، ولا بد أن تكون الأمة القائمة بأفراد من أمثاله قطعة من عمل التاريخ الاجتماعي وهذا بعينه هو الذي أنشأه القرآن في العرب من أنفسهم ، وأنشأه من العرب في التاريخ ، وهو وليّهم بما كانوا يعملون . ومثل تلك الإرادة التي وصفنا لا تكون ولا وجه لكونها إلا أن يجعل هذا القرآن للمرء مبدأ قبل أن يجعل له شريعة ، ثم لا يقيم الشريعة إلا على هذا المبدأ ، فيكون المرء محكوما بيقينه وفكره لا بظنه ولا بعادته ؛ وبذلك يكون بناؤه الإنساني قارا في حيّزه الإنساني . وأنه ليستحيل البتة أن لا يكون لأجهل الناس في قومه فكر اجتماعي ما دام له يقين ثابت في آداب المجموع . هذا ، وقد أمسكنا عن التفصيل والشرح وانتزاع الأمثلة القرآنية في كل ما تقدم ، تفاديا من الإطالة واقتصارا على غرض الكتاب ، مما يجزئ قليله في الدلالة على
--> ( 1 ) أي عهد ومسؤولية ، والمراد أن يكون الإنسان حرا ، ولكن حدود الحرية المشروعة بقوانين الإنسانية .